أحمد بن حجر الهيتمي المكي
208
الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود
منه زاوية على الأرض مساوية للزاوية الحاصلة من الخط الخارج من الماء إلى قرص الشمس ، بحيث لا يكون أوسع منها ولا أضيق ، وهذا لا يمكن إلا في موضع مخصوص من الجدار ، فكما أن المناسبات الوضعية تقتضي الاختصاص بانعكاس النور ، فالمناسبات المعنوية العقلية تقتضي ذلك أيضا في الجواهر المعنوية ، ومن استولى عليه التوحيد . . فقد تأكدت مناسبته مع الحضرة الإلهية ، وأشرق عليه النور من غير واسطة ، ومن استولى عليه السنن ، والاقتداء به صلى اللّه عليه وسلم ، ومحبته ومحبة أتباعه ، ولم تترسخ قدمه في ملاحظة الوحدانية . . لم تستحكم مناسبته إلا مع الواسطة ، فافتقر إلى واسطة ، في اقتباس النور ، كما يفتقر الحائط الذي ليس مكشوفا للشمس إلى واسطة الماء المكشوف للشمس . وإلى مثل هذا ترجع حقيقة الشفاعة في الدنيا ، فالوزير الأقرب لملك . . يحمله على العفو عن جرائم أصحابه ، لا لمناسبة بينهم وبين الملك ، بل بينهم وبين الوزير المناسب للملك ، ففاضت عليهم العناية بواسطة الوزير لا بأنفسهم ، ولو ارتفعت الواسطة . . لم تشملهم العناية أصلا ؛ لأن الملك لا يعرفهم ، ولا يعرف اختصاصهم بالوزير إلا بتعريفه وإظهاره الرغبة في العفو عنهم ، فسمّي لفظه من التعريف إظهارا للرغبة : شفاعة مجازا ، وإنما الشفيع مكانته عند الملك ، واللفظ لإظهار الغرض ، واللّه سبحانه وتعالى مستغن عن التعريف ، ولو عرف الملك حقيقة اختصاص غلام الوزير به . . لاستغنى عن التعريف ، وحصل العفو بشفاعة لا نطق فيها ولا كلام ، واللّه سبحانه وتعالى عالم به ، ولو أذن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما هو معلوم له . . لكانت ألفاظهم أيضا ألفاظ الشفعاء . وإذا أراد اللّه تعالى أن يمثل حقيقة الشفاعة بمثال يدخل في الحسّ والخيال . . لم يكن ذلك التمثيل إلا بألفاظ مألوفة في الشفاعة ، ويدلّك على انعكاس النور بطريق المناسبة : أن جميع ما ورد من الأخبار عن استحقاق الشفاعة معلّق بما يتعلّق به صلى اللّه عليه وسلم من صلاة عليه ، أو زيارة